أبي نعيم الأصبهاني

95

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

وإليه ، وسمو الهمة يخفف التعب والنصب ، ويهون الشدائد في طلب الرضوان ، ويستقل معه بذل المجهود بعظيم ما ارتفع إليه الهم والنشاط بالدوب دائم ، والسرور بالمناجاة هائج ، والصبر زمام النفس عن المهالك وإمساك لها على النجاة ؛ فاليقين راحة للقلوب من هموم الدنيا ، وكاسب لمنافع الدين كلها ، وحسن الأدب زين للعالم وستر للجاهل ، من قصر أمله حذر الموت ، ومن حذر الموت خاف الفوت ، ومن خاف الفوت قطع الشوق ، ومن قطع الشوق بادر قبل زوال إمكان الظفر ، فاجعل التيقظ واعظك ، والتثبت وكيلك ، والحذر منبهك ، والمعرفة دليلك ، والعلم قائدك ، والصبر زمامك ، والفزع إلى اللّه عز وجل عونك ، ومن لم توسعه الدنيا غنى ، ولا رفعة أهلها شرفا ، ولا الفقر فيها صفة فقد ارتفعت همته وعزفت عن الدنيا نفسه . من كانت نعمته السلامة من الآثام ، ورغب إلى اللّه في حوادث فوائد لمريد نقل عن الدنيا بقلبه ومن اشتد تفقده ما يضره في دينه وينفعه في آخرته ، وذكر اطلاع اللّه إليه ومثل عظيم هول المطلع وأشفق مما يأتي به الخير فقد صدق اللّه في معاملته وحقق استعمال ما عرفه ربه . ومن قدم العزم للّه على العمل بمحبته ووفاء للّه بعزمه وجانب ما يعترض بقلبه من خطرات السوء ونوازع الفتن فقد حقق ما علم وراقب اللّه في أحواله ، كهف المريد وحرزه التقوى ، والاستعداد عونه وجنته التي يدفع بها آفات العوارض ، وصور النوازل والحذر يورثه النجاة والسلامة ، والصبر يورثه الرغبة والرهبة ، وذكر كثرة سوالف الذنوب يورثه شدة الغم وطول الحزن ، وعظم معرفته بكثرة آفات العوارض في الطاعات تورثه شدة الاشفاق من رد الاحسان . * أخبرنا جعفر بن محمد - في كتابه - وحدثني عنه عثمان بن محمد قال سمعت الجنيد بن محمد يقول : سأل سائل الحارث بن أسد : ما بالى أغتم على ما يفوتني من العلم ولا أعمل بما استفدت منه ؟ قال : لأنك لا تخاف عظيم حجة اللّه عليك فيما علمت ، وضيعت العمل للّه فيما أوجبه عليك ، ولم تقدم العزم أن تقوم بما تستفيد من العلم فيما تستزيد منه وكان يحق عليك أن تكون